غزة / معتز شاهين:
يواصل الاحتلال الإسرائيلي شنّ غاراته العسكرية على قطاع غزة، رغم الإعلان عن توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، في سلوك يعكس توجّهًا استراتيجيًا لإبقاء حالة الحرب قائمة، لا باعتبارها ردًّا أمنيًا طارئًا، بل كخيار سياسي-عسكري يهدف إلى فرض وقائع ميدانية جديدة، تُفرغ أي مسار سياسي مستقبلي من مضمونه، وتُبقي القطاع تحت ضغط دائم.
ويرى محللون وخبراء في الشأن الإسرائيلي أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لا يُبدي أي نية حقيقية لإنهاء الحرب في هذه المرحلة، معتبرين أن استمرار التصعيد يخدم أهدافًا داخلية وخارجية، في مقدمتها محاولة فرض معادلة "نزع سلاح المقاومة"، وهو مطلب يعكس جوهر العقيدة الصهيونية القائمة على إخضاع الفلسطينيين بالقوة، وفرض ترتيبات أمنية أحادية، رغم فشل الاحتلال في تحقيق هذا الهدف عسكريًا، رغم الحجم الهائل من القتل والدمار والتدمير الواسع للبنية التحتية.
ويؤكد هؤلاء، في أحاديث منفصلة مع صحيفة "الاستقلال"، أن التصعيد المتكرر لا يرتبط فقط بادعاءات "الرد على الخروقات"، بل ينبع من خشية حقيقية لدى المؤسسة الأمنية والسياسية في (تل أبيب) من أن تؤدي أي تهدئة طويلة أو مراحل انتقالية إلى تمكين فصائل المقاومة من إعادة تنظيم صفوفها، وإعادة بناء قدراتها العسكرية، وتعزيز حضورها الشعبي والسياسي داخل القطاع.
ويضيف الخبراء أن إبقاء مستوى من التوتر العسكري يوفّر لنتنياهو مخرجًا من أزماته السياسية الداخلية، ويُستخدم كأداة للهروب من الضغوط القضائية والمعارضة الداخلية، فضلًا عن محاولة إعادة ترميم صورة الردع الإسرائيلي التي تضررت خلال مجريات الحرب، في ظل عجز الاحتلال عن تحقيق "نصر حاسم" أو فرض شروطه السياسية على المقاومة.
ونفّذ جيش الاحتلال الإسرائيلي فجر السبت عشرات الغارات المدفعية والجوية، في مشاهد أعادت الحرب إلى قطاع غزة، بينما لم يكد الفلسطينيون يلتقطون أنفاسهم من جولات تصعيد متكررة، وسط خروقات إسرائيلية مستمرة تُبرَّر بذرائع واهية.
واستهدفت الغارات الإسرائيلية شقة سكنية في حي الرمال غربي مدينة غزة، إلى جانب مناطق متفرقة في مدينة خانيونس جنوبي القطاع، بالإضافة إلى عدد من خيام النازحين ومركز شرطة، ما أسفر عن استشهاد 32 فلسطينيًا بينهم 6 أطفال و3 نساء، وإصابة آخرين نقلوا إلى المستشفيات في ظل أوضاع صحية متدهورة ونقص حاد في الإمكانات الطبية.
وبرر الاحتلال هجماته بالحديث عن محاولة ثمانية مقاومين الخروج من نفق في مدينة رفح، زاعمًا أنه اغتال ثلاثة منهم واعتقل رابعًا ويبحث عن البقية، رغم أن المنطقة تقع تحت سيطرته بالكامل، ورفضه سابقًا أي جهود لإخراج المقاومين العالقين في الأنفاق منذ أشهر، والمنقطعة معهم الاتصالات.
ويترافق العدوان الأخير مع خطوات سياسية وأمنية متداخلة، أبرزها الحديث عن فتح معبر رفح البري ضمن إجراءات أمنية مشددة وغير مسبوقة، إلى جانب التصريحات الأميركية بشأن الانتقال إلى “المرحلة الثانية” من الترتيبات المطروحة لقطاع غزة، وما يرافقها من إشارات إلى نزع سلاح المقاومة.
عقيدة القتل
قال المختص في الشأن الإسرائيلي عمر جعارة إن التصعيد الإسرائيلي المتكرر على قطاع غزة يندرج في إطار سياسة ثابتة تنتهجها حكومة الاحتلال تقوم على إدارة الصراع لا إنهائه، في ظل عجز رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو عن تحقيق الأهداف التي أعلنها منذ بدء الحرب.
وأوضح جعارة، لـ"الاستقلال"، أن فهم التصعيد الحالي يستوجب العودة إلى ما يسميه نتنياهو بـ“إطار النصر”، مشيرًا إلى أن الأخير حدد هذا “النصر” بثلاثة أهداف رئيسية: استعادة الأسرى، نزع سلاح المقاومة، وتجريد قطاع غزة من أي مظهر من مظاهر التسلح.
وبيّن أن الهدف المتعلق بالأسرى لم يتحقق بقدرات "إسرائيل" الذاتية، وإنما تم بضغط أميركي، لافتًا إلى أن الشارع الإسرائيلي نفسه يدرك ذلك، وهو ما ظهر في الاحتجاجات التي قابلت تصريحات الشكر الموجهة لنتنياهو، حيث ردد المتظاهرون أن الفضل يعود للرئيس الأميركي دونالد ترامب لا لحكومة نتنياهو.
وأكد جعارة أن نتنياهو لا ينوي إنهاء القتال ما لم يحقق باقي أهدافه، وعلى رأسها نزع سلاح المقاومة، معتبرًا أن هذا المطلب لا ينفصل عن جوهر المشروع الصهيوني، خصوصًا لدى اليمين الإسرائيلي، القائم على قتل الفلسطيني أو تهجيره، وهو ما فشل الاحتلال في تحقيقه رغم حجم الدمار والقتل.
وأضاف أن "إسرائيل" نجحت فقط في قتل المدنيين، لكنها فشلت في نزع سلاح المقاومة، وفشلت في طرد الفلسطينيين من أرضهم، الأمر الذي يدفعها إلى مواصلة سياسة إدارة الصراع عبر استهداف النساء والأطفال وضرب مقومات الحياة المدنية، في محاولة لتصوير العدوان على أنه نتيجة لأحداث السابع من أكتوبر، بينما السبب الحقيقي هو الاحتلال الإسرائيلي الذي يرفض الاعتراف بأي حق فلسطيني.
وفيما يتعلق بدور الوسطاء، شدد جعارة على أن الوسطاء، ولا سيما العرب منهم، لا يملكون وزنًا حقيقيًا في ظل الهيمنة الأميركية، معتبرًا أن القرار الفعلي بيد الولايات المتحدة، وتحديدًا الرئيس ترامب، الذي وصفه بالديكتاتوري، ولا يأخذ بعين الاعتبار حتى أقرب مساعديه، فكيف بالوسطاء الإقليميين.
فرض وقائع
من جهته، يرى الكاتب والمختص في الشأن الإسرائيلي، عدنان الأفندي، أن التصعيد الإسرائيلي المتكرر على قطاع غزة يندرج في إطار مخاوف حقيقية لدى الاحتلال من أن تؤدي التهدئة أو أي مراحل انتقالية إلى إعادة بناء قدرات فصائل المقاومة وتعزيز نفوذها داخل القطاع.
وأوضح الأفندي، لـ "الاستقلال"، أن الاحتلال يسعى من خلال هذا التصعيد إلى إيصال عدة رسائل، في مقدمتها رسالة مباشرة لفصائل المقاومة مفادها أن الاحتلال “لن يقبل بعودتها إلى ما كانت عليه سابقًا”، وأنه لا يزال قادرًا على استهداف أي موقع داخل قطاع غزة، حتى في ظل الحديث عن تهدئة أو وقف لإطلاق النار.
وأضاف أن هناك رسائل أخرى غير معلنة يوجهها الاحتلال إلى أبناء الشعب الفلسطيني، لا سيما أولئك الذين عادوا أو ينوون العودة إلى قطاع غزة عبر معبر رفح، معتبرًا أن القصف المتكرر يندرج ضمن سياسة الترهيب ومحاولة منع عودة السكان من مصر إلى القطاع.
وفي السياق ذاته، أكد الأفندي أن الاحتلال يحاول فرض وقائع ميدانية على الأرض من شأنها إفراغ أي مسار سياسي قادم من مضمونه، موضحًا أنه في حال انطلاق تحرك سياسي جديد، ستكون "إسرائيل" قد هيأت ظروفًا ميدانية تتيح لها المماطلة والتهرب من استحقاقاته، كما جرت العادة في محطات سابقة.
واعتبر موافقة الاحتلال على التهدئة ووقف الحرب لم تكن نابعة من قناعة داخلية، بل جاءت نتيجة ضغوط أمريكية ودولية، مشددًا على أن "إسرائيل" لم توقف حربها بشكل كامل، بل واصلت عمليات القتل والتصعيد بأشكال مختلفة.
وأشار المختص بالشأن الإسرائيلي إلى أن ما يجري في قطاع غزة هو “إعادة إنتاج للحرب ولكن بوتيرة أبطأ”، حيث يدير الاحتلال المواجهة بأسلوب يهدف إلى تقليل حجم الانتقادات الدولية، لا سيما الأمريكية، عبر تبرير كل تصعيد أو مجزرة بذريعة الالتزام الشكلي بوقف الحرب.


التعليقات : 0